" لا علاقة لي بالمطبخ ...كُل ما اعرفه هو أن اسلق البيض " وتنسكب اللزوجة التي انتقلت مع اختلاف النكهات إلي المتثقفات الآتي أضافوا إليها الكثير من حبات الرزانة المفرومة و رشات بهار الوقار الأسود المغشوش ، فيندلق حديثهم الُمر .. " المطبخ وسيلة ُمثلى لإضاعة الوقت واستهلاك الزمن بلا فائدة تذكر ، وبلا هدف حقيقي ، فما معنى أن اقضي 4 ساعات في إعداد وجبة يلتهمها الُكل في ساعة أو اقل " مساكين ... فبأحاديثهم المحروقة هذه يستدرون عطفي المغلي ، ومساكين لأنهم لا يدركون أن الطبخ فعل حنان ( محموس ) * ، قلما نقدر أن نفصله عن الحب ، وصدقًا أقول لكم ذلك . وهاهي حجتي المتكورة على هيئة لفائف الباكورة الهندية المُبهرة بالكاري والكمون تستقر في أطباق الكريستال النائمة أمامي ، كما تجيء كنتاج لعلاقتي عالية الدهون كثيرة الجيلاتين بهذا العالم ... نعم لا تستغربوا .....فذاك الذي أتحدث عنه هو ذاته الذي تعرفونه جميعكم نعم .... نعم عالم الكركم و الفلفل الأسود و البابريكا و لا بأس بقليل من القرفة لتهطل هنا على أصابعي الملوثة ببقايا الخردل المطحون حُبًا و الروز ماري المزروع شغفًا وانتظارًا ... للطبخ نشوة تشبه نشوة الكتابة لدي وقد تزيد ..... عن نفسي لا أعرف متى جمعتني هذه العلاقة مخلية العظام بالمطبخ وكيف زارني هذا الانغرام المعجون بأدواته المبشورة على امتداد الفضاء الأبيض ولماذا تمازجتُ بروائحِه المتداخلة بين خل و فليفلة واريغانو ، حتى تآلفت مع سائلها المزرق المرغي فوق المواعين وبين الكؤوس ...... فكل التفاصيل تلك ..... والدماغ المشبع بالنكهة المتَبلة و دندنة هذا اللحن الحميم ترتفع مع اللهب و قرقعة الملاعق الخشبية وهي تمس جدران القدر بضجيج واضح ، كلها علامات شغف متخَُمر يعلو ويزداد في الفرن المحمي مسبقًا بينما الحواس معصورة ليمون وبرتقال و لارنج ، و الأبخرة البيضاء المتكاثفة أشعرها تنقل الغليان إلي دمي .... وهي تزف الموكب المخبوز أخيرًا على وقِع روائح التوابل الطازجة وهي تتصاعُد من القدور النائمة فوق دوائر النار الُمزرقه إنني سيدة الحفل المطبوخ . كما ترون لي علاقة تدخل حيز الإدمان بالطبخ وتفاصيله .... هاهو الغار المكلل للصحون ... ينز إلي جوار الثوم المعقود كويرات استمتاع اصفر ...وبعض اخضرار يشهد على ذلك ... لكن ربما لست بمكيال جيد لقياس المقادير المطلوبة في الارتباط العاطفي المقلي بالمطبخ واقترانه بالحنان المقطع لمكعبات هوس ... ما لم تعرفوه بعد أن لي مع الطعام قبل المطبخ قصة أخرى .... فأنا ارتكب خطيئة التطرف المهروس بحقه إذا ما تماس مع خياراتي المسلوقة هذا التطرف الذي انتقل من مشاعري المغمورة بمرق الحيرة وتفاصيلي العاطفية عالية الألياف كثيرة البروتين إلي عاداتي الغذائية الحامضة فتجدوا فَي ميلٌ محَمص إلي عالم الاخضرار و التحَمر ، فأنا أحبُ كثيرًا طعم عروسة الزعتر مرفقًة ( باستكانة * ) من الشاي المنعنع الحلو ، حتى باتت الطرفة التي يتنغم بها كل من حولي وقبلهم إخوتي " لستي منا ....انك شامية حتما لعشقك الغريب ذاك لطعم المناقيش " وربما استغرابهم المشوي هذا ينبعُ من حقيقة إنني انتمي إلي الخليج الأزرق ذاك الذي عرف الفقر و العوز مبكرًا ، و هو نفسه الذي لم ينجب رحمه اخضرًا ما ، ولم يتعرف على عالم ( البأدونسات و النعنع ، واللبنات ) إلا متأخرًا كروافد تمازج مجتمعي غُلفت بالنايلون القادم مع الوافدين إليه من المتوسط المعشوب اخضراراً و المبيض لبناً ، من هنا كان لازمًا علَي وفق معايير هذا الواقع الصاخب صدقًا وجدبًا اصفرارًا وعوزًا أن اعشق لحومه الحمراء أو على الأقل لحمه الأبيض الخارج من مياههُ المالحة . ولكن ابنة بحر و نبت البر لم تحب القدور المثقلة بالهريس الأبيض والمنكهه بالسكر والقرفة و الاعتياد كما لم تحب يوماً قدوره المطمورة بالجريش و المرقوقه الثقيلة باللحم و بالأرق . بل وللعجب وقعت في هوى محصلات الريف النيئة البكر ، الريف الذي لم اعرفهُ إلا زائره ، فكل من يعرفني يدرك كم أنا مولعة بالجبنه على أنواعها من ابيض بارد طري إلي اصفر مذاب مغري و بارميزان مبشور وصولا إلي الغوتا المستريحة على شفاه الشرائح البيض الغضة ، خصوصا إذا ما جاورتها بالحسنى حبات الزيتون التي تنز من شقوقها زيت فارهه وغيرها من مكدوس مكتنز باللذة و الجوز وليمون يستفز النكهة في الخيار و طماطم ، فكثيرا ما أقول أنه لو حكم علي بتناول هذا الطعام مدى العمر لما مللته ، فهذا الطعام يشبهني إلي حد بعيد أنا هكذا ببساطة خالية من التعقيد واضحة التفاصيل مستبينة المعالم . اشعر أحيانا أن طعامنا هو نحن بشكل ما ، فما أن نصبح ميالين لنمط معين من الأطعمة إلا لأنه يُشكلنا بطريقٍة ما ، كما تتشكل حبات البرغل المكببة بين أصابع النساء اللافظات للأحاديث الممتلئة و الملقية في حضن اللبنية الساخنة بالمناسبة اعشق الكبه على انواعها خصوصا البرغل ... فهي هدية أوصي صديقات أمي الشاميات بإحضارها من عبر البحار إلينا . والطعام كذلك يؤطر تفاصيلنا تماما كالبطاطا الحَرة المغمورة بالكزبرة و الحبق والدهشة ، يغزونا هذا الوله من اشد النقاط رخاوة فيتمدد في الأجساد المدهونة جيدا بالدهن المانع للالتصاق الفكري ، يترشرش عبر اللسان فيَُحمي متعة الالتهام المقًُشرة فينا ، فيضيف ما يريُد من نكهات و أمزجة وأطعمة ليتركنا بعد حين وقد قدمت إلينا الشهوة وعلى وجهها صنوبرات محمرة و أعراق ريحان يرتجي الصمود . 
أضف تعليقا
من الكويت

لك مني ما تشتهين ..فقد احضرت هذه المرة ما تستهوين من معشوقاتك من الاطعمة من عقر داري ..المصنوعة اصلا من يدي امي وابي ...
عزيزتي شهرزاد ..
يبدو ان هوسك بأكل الشام ينقلب بصورة عكسية على اصحابه..منذ زمن وحالة الجوع الى صوتك تجترني من وقت للآخر..وكما تعلمين ما معني اجترار الذاكرة المصحوبة بالعاطفة ..الم وحزن...
شهرزاد ...
ان طابعك الكتابي المميز يجعلني اشتم ما تحبين وما اعشق ايضا ..فأنا من العاشقين ايضا لهذه العجينة المرمية من فران في وهج فرنه اعتقادا منه بانه سينتصر على الزعتر..ولم يدري كيف هو تمرد الزيت الذي يصاحبه الزعتر المحمر ...
لعلك لا تعرفين لم سميت بالمناقيش...
لو دققت قليلا لرايت المهووسين بصناعة هذه الفطيرة يغرسون اصابعهم في عجينة طرية ..ينقشون بها عشرات التجاويف في صورة فنية باهرة ..ليستقر بها مخلوط الزعتر والزيت حتى لا ينزلق على ارض الفرن فيحترق ...
اما المكدوس ...فلك مني ما تشتهي كما قلت اولا ...
فالى لقاء لا يأتي ابدا.....
من سوريا

مممممم
يا اختي احسبي حساب الناس الجوعانين في العالم
من وين بدنا ندبر لهم مكدوس
هههههههههههههههه
موضوع جميل مع انو الاكلات شاميه
كوني بخير
قدرة عالية على تطويع الكلمات ، وقراءة ممتعة جدا .
مع التحية ،،
....ذهب مع الريح
أعترف هنا ...
لم يكن لي دور سوى اني منحت الأطباق حقوق الاستدارة المثلى ...
شكرا لحديثك الطافح بلذة الالتهام المطحون ... والمضغ الجيد للتفاصيل ..
اذبتموني حرجاً أنا المتقنه لفن الاحراج والخجل ..
شكرا للشذا العطر ... وأنفاس المساء
شهرزاد
تمام .,..
انا بأنتظار الوعد أذن بأنتظار المكدوسات التي تنز شوقا ... وتوقاً
اظنك بت تعرف طقوس تواريي المباح ...
بالمناسبة امتعني اكتشاف سبب تسمية المناقيش بهذا الاسم المتسق مع تفاصيلها ...
اصلا لا أملك وقتا كافيا للتدقيق في صورها الفنية فأنا ... أجد في التهامها فناً يفوق كل ما عداه
الي لقاء موشى بالمكدوس
شهرزاد
mafhm
اخي ... اذن علي ان اسوق اعتذار هنا من كل الجياع في العالم ...
لكن لاتخف فأنا الاخرى أشكو جوعاً عاطفياً غير قاابل .. للزوال
أظنك تقصد الموضوع ممتع لأنو الاكلات شامية
شهرزاد
dmbmtm
صندوق اسود
شكرا للمرور اللابيض الموشى بالبرودة والوهن
شهرزاد
من الجزائر

المرأة التي لا تحسن الطهي هي امرأة عاقر قالها زوجي يوما لأني لم اكن طباخة ماهرة .. لكن بما اني كتلة من عناد وتحدي .. اثبت له اني الولود الودود وتعلمت الطبخ ودي حاجة سهلة خالص .. سررت للتعليق ولك مني احترامي وتقديري .
اليمامة
اليمامة
ايتها اليمامة البيضاء ...
عاشقة أنا لأنماط التحدي المتجذرة في العظام السائرة في الدماء ...
شكرا لحضورك هنا بين الزيتونات و البرغل
دمتي ولودا ودود
شهرزاد
من سوريا

ماشاء الله على هذا المستوى العالي والعالي جدا في كل ما ابدعت
كلام مشهي بالفعل وشهيتي انفتحت امام مقالك الرهيب كما غنى عبد المجيد عبد الله ذات يوم
فنانة والله فنانة في كل ما حررت وكتبت
محمد زعل السلوم
من مصر

ايه اللغه دى فى كلام مش فاهمه
عموما انا داخل اكتب تعليق على الموضوع السابق اكتبه هنا بالمره
انتى بتحمدى ربنا انك كويتيه
وانا بحمد ربنا انك مش مصريه يا بختك حتى لو كنتى من موزمبيق
من المغرب

شهرزاد
اولا سعيد بمروري هنا
لا اخفيك سرافانا من هواة الطبخ كثيرا
ويقال اني بارع حتى ان معارفي واقاربي
من النساء يغرن مني هههه
هي موهبة اكتسبتها بعيشي وحيدا لمدة
طويلة
وصدقيني عندما اقرر ان اطبخ وجبة
فلا يكون ذلك الا بالهام وبحب وبراحة
نفسية كما لو انني اكتب احدى قصائدي
فالطبخ فن ومن ينكر جدواه فهو انسان
سطحي لا احساس له
دمت بود
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













لا أدري أأ عيني على الاطباق ام على يد صانع اللذة بمعانيها...
كم تمازجت هنا الاشياء كعناصر الكيمياء مشكلة حلة خاصة بين حبكة الكلم المعقد المغزول بعناية فنان وأمهر صناع ولائم اللذة ....
عبثا احاول فك رموز قوافيك لدرجة ان الرغبة ازدادت في وقت اشعر به لجوع قديم
8_8 لهمهمة انفاسك او لي سماع سنفونيه خاصة تعزف على قرع الاواني ...
ايها المايسترو دعني احفظك سلما موسيقيا ...
"دو ري مي فا صو لا سي دو"
في فن الابداع أينما كان في المطبخ .. على الشرفات .. هنا وهناك الرقي واضح المعالم مزين كباقة ورد عطر او طبق لذيذ أعد للمساء .. بأجتماع كأس وشمعة......
تصوير خاص وانتقاء رائع دلالة على نضوج منولوج الشدو المنمق ..
سلمتي اختاه على بوحك العذب
اشعرني بكل معاني اللذ...
و لإكتمال الأنوثة هنا عنوان ..
..........ذهب مع الريح